الخريجون العراقيون.. يحاصرون المسؤولين في مباني الحكومة وتويتر

منذ اسابيع يحاصر الاف الطلبة العراقيين الخريجيين وزارات ومؤسسات الحكومة مطالبين بوظائف في الحكومة، بينما لا تمتلك الحكومة القدرة على توفير هذه الوظائف بسبب الديون التي تكبدها العراق خلال المعارك ضد داعش، والحاجة الى الاعمار.

يواظب مازن عبد الجبار مع زملائه الحضور يوميا امام وزارة الصحة مع المئات من اقرانهم من خريجي كلية العلوم، ومطلبهم واحد منحهم وظيفة حكومية، ويقول عبد الجبار لـ “المنصة” “تخرجت منذ العام 2011، وحتى الان لم احصل على وظيفة، واضطررت ممارسة اعمال بعيدة عن اختصاص تعليمي على مدى السنوات الثمانية الماضية، ولست سعيدا بذلك”.

يتجمع مازن والمئات من اقرانه من خريجي كلية العلوم قسم الكيمياء امام وزارة الصحة لانها الاقرب الى اختصاص توظيفهم، بينما يتجمع الاف الخريجين الاخرين من باقي الاختصاصات امام الوزارات والمؤسسات الحكومية ذات الاختصاص مع تعليمهم الجامعي.

ولا يمضي يوم دون مشاهدة الاف الطلبة امام وزارات النفط والصحة والموارد المائية والتعليم العالي، وحتى مقر الحكومة ذاته، وهم يرفعون لافتات تطالب بتوظيفهم، في الاسبوع الماضي نظم خريجو كلية الهندسة في محافظة ميسان جنوب البلاد امام مقر شركة نفط المدينة، لكن السلطات اعتقلت بعضهم وفضت الاعتصام بالقوة.

وفقا لبعثة الامم المتحدة في العراق (يونامي) يبلغ معدل البطالة 11% على الصعيد الوطني (7% من الذكور و 13% من الإناث)، أي أن (653)  الفا عاطلون عن العمل بينهم (496) الفا من الذكور و 157 الفا من الإناث، وترتفع نسبة البطالة بين الشباب 15-24) الى نحو 18%، وهي نسب مخيفة تتزايد مع تزايد اعداد الخريجين سنويا، اذ يبلغ عددهم نحو (40) الف سنويا.

ويبدو المسؤولين العراقيين حائرين في كيفية التعامل مع هذه الاعتصامات التي يمرون بها يوميا اثناء ذهابهم الى مقرات وزاراتهم، وتتباين ردود افعالهم، بعض المسؤولين يستقبلون وفدا ممثلا عن المحتجين كما فعل وزير الخارجية محمد الحكيم الذي استقبل وفاد لخريجي كلية العلوم السياسية في بغداد، واخرون يفضلون تجاهلها واستخدام وسائل الاعلام لتوضيح الصعوبات التي تواجه وزاراتهم في منح الوظائف.

عرضت الحكومة العراقية ضمن موازنة العام الحالي نحو (60) الف وظيفة، ورغم ذلك لا تكفي لأستيعاب جميع اعداد الخريجين، كما ان الفساد والمحسوبية يحولان دون وصول هذه الوظائف الى مستحقيها، اذ تخضع الوظائف للفساد عبر بيعها بالالاف الدولارات.

وقال ثلاثة طلبة من بين مئات المتظاعرين امام وزارة النفط لـ “المنصة” ان شخص متنفذ رفضوا الكشف عن اسمه بسبب الخطورة عليهم، عرض عليهم منحهم وظائف في مقابل (25) الف دولار اميركي، فيما قال اخر انه تعرض للاحتيال عندما وعده شخص اخر بوظيفة مقابل ثلاثة الاف دولار ولكنه لم يحصل على اي وظيفة.

بعد اشهر من الاعتصامات بات الطلبة يسمون حراكهم بـ “ثورة الخريجين”، ولم يكتفوا بمحاصرة مقرات الوزارات والمؤسسات الحكومية فحسب، بل ايضا محاصرة المسؤولين في مواقع التواصل الاجتماعي وخصوصا في “تويتر”.

ضمن حملات منظمة يطلق الخريجون من كل اخصاص هاشتاغات موحدة خاص بهم ويتم تغييرها بعد عدة ايام، وينتهز هؤلاء فرصة نشر المسؤولين لتغريدات ومنشورات على صفحاتهم حتى تنهال عليه تعليقات الطلبة المطالبة بتعيينهم ما يجعل المسؤول في موقف محرج.

وغالبا ما يتم اختيار الهاشتاغات لتكون مؤثرة، وبعد اشهر من عدم استجابة الحكومة لهم، اطلقوا مؤخرا هاشتاغات تتضمن اشارة الى عبارة “الحشد” في اشارة الى “الحشد الشعبي”، من اجل تأثير اقوى، فيما اوقف الطلبة تظاهراتهم قبل ايام خلال مناسبة دينية في كربلاء وانضموا الى المشاركين في المناسبة الدينية رافعين شعارات تطالب بتعيينهم ايضا.

يعتقد هؤلاء الطلبة ان الضغط الذي يمارسوه بهذه الوسائل قد يدفع الحكومة في النهاية الى منحهم وظائف، ولكن الواقع الاقتصادي يشير الى استحالة قدرة الحكومة على توفير وظائف للجميع، فالحرب على داعش كبدت العراق ديون طائلة، كما ان تكلفة اعادة اعمار المدن المدمرة في الموصل والانبار وصلاح الدين باهظة جدا.

في الدول المستقرة اقتصاديا غالبا ما يكون القطاع الخاص العامل الاساسي في توفير الوظائف للشباب ويكون عدد هذه الوظائف اكثر من الوظائف التي توفرها الحكومة، ولكن الاقتصاد العراقي الريعي المعتمد على النفط، وغياب القطاع الخاص يفاقم المشكلة.

ويقول الخبير الاقتصادي باسم جميل انطون لـ “المنصة” “القطاع الخاص هو مفتاح انهاء مشكلة البطالة، الحكومة غير قادرة على توفير وظائف للجميع، ولكن المشكلة ان القطاع الخاص يعاني من مشاكل وتحديات كبيرة، بعضها مرتبط بالبيروقراطية والفساد، وارتباط شركات قطاع خاص بالأحزاب والقوى السياسية”.

منذ تشكيل الحكومة الحالية التي تقترب من اكمال عامها الاول، قررت اتخاذ سياسة حمائية اقتصادية، واعلنت وزارة الزراعة منع استيراد (16) محصول زراعي من الخارج، وكذلك البيض والدجاج، فيما قررت وزارة الصناعة منع استيراد الاسمنت، في خطوات ما زالت محدودة لكنها جيدة باتجاه تقوية القطاع الخاص وتشجيع الشباب على فتح مشاريع خاصة، ودعم الشركات الكبيرة للدخول في سوق العمل والمساهمة في توفير وظائف للشباب.